محمد بن جرير الطبري

9

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

فضّلهم به عليه من ذي البَكَم والمُستَعْجِم اللسان ( 1 ) فقال تعالى ذكرُه : { أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ } [ سورة الزخرف : 18 ] . فقد وَضَحَ إذا لذوي الأفهام ، وتبين لأولي الألباب ، أنّ فضلَ أهل البيان على أهل البَكَم والمستعجمِ اللسان ، بفضل اقتدار هذا من نفسه على إبانة ما أراد إبانته عن نفسه ببيانه ، واستعجام لسان هذا عما حاول إبانته بلسانه . فإذْ كان ذلك كذلك - وكان المعنى الذي به باينَ الفاضلُ المفضولَ في ذلك ، فصار به فاضلا والآخرُ مفضولا هو ما وصفنا من فضْل إبانة ذي البيان ، عما قصّر عنه المستعجمُ اللسان ، وكان ذلك مختلفَ الأقدار ، متفاوتَ الغايات والنهايات - فلا شك أن أعلى منازل البيان درجةً ، وأسنى مراتبه مرتبةً ، أبلغُه في حاجة المُبِين عن نفسه ، وأبينُه عن مراد قائله ، وأقربُه من فهم سامعه . فإن تجاوز ذلك المقدار ، وارتفع عن وُسْع الأنام ، وعجز عن أن يأتي بمثله جميعُ العباد ، كان حجةً وعَلَمًا لرسل الواحد القهار - كما كان حجةً وعَلَمًا لها إحياءُ الموتى وإبراءُ الأبرص وذوي العمى ، بارتفاع ذلك عن مقادير أعلى منازل طبّ المتطببين ( 2 ) وأرفع مراتب عِلاج المعالجين ، إلى ما يعجز عنه جميع العالَمِين . وكالذي كان لها حجةً وعَلَمًا قطعُ مسافة شهرين في الليلة الواحدة ، بارتفاع ذلك عن وُسع الأنام ، وتعذّر مثله على جميع العباد ، وإن كانوا على قطع القليل من المسافة قادرين ، ولليسير منه فاعلين . فإذْ كان ما وصفْنا من ذلك كالذي وصفْنا ، فبيّنٌ أنْ لا بيان أبْيَنُ ، ولا حكمة أبلغُ ، ولا منطقَ أعلى ، ولا كلامَ أشرفُ - من بيان ومنطق تحدّى به

--> ( 1 ) كل من لا يقدر على الكلام فهو أعجم ومستعجم . استعجمت عليه قراءته : التبست عليه فلم يتهيأ له أن يمضي فيها ، فسكت وانقطع عن القراءة . ( 2 ) مقادير : جمع مقدار ، وهو القوة ، ومثله القدر والقدرة والمقدرة .